الطرائق المتبعة في قبول الحديث ونشره عند عوام المسلمين الدوافع والأسباب والأثر ووسائل التصحيح

مقالات حديثية
بواسطة Admin منذ 6 سنوات


الطرائق المتبعة في قبول الحديث ونشره عند عامة المسلمين

الدوافع والأسباب والأثر ووسائل التصحيح

ماجد بن محمد الجهني


لكل علم من العلوم أصول وقواعد يعرفها أصحابها، ويجهلها كثير من الناس، وكذلك هو الشأن في علم الحديث، فإن العلماء وضعوا له أصول وقعدوا له قواعد لا يمكن لأحدٍ أن يتجاوزها أو يدعي أن لديه طريقة أخرى في التعامل مع هذا العلم تخالف ما قرره أهله، وبناء على هذا كان لا بد لكل من أراد الخوض في علم من العلوم أن يدرس أصوله وقواعده حتى لا تزل به القدم .

فمثلاً، علماء الحديث وضعوا خمسة شروط لصحة الحديث فقالوا : الحديث الصحيح هو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة.

فهذه خمسة شروط لقبول الحديث : اتصال السند ، العدالة ، الضبط ، عدم الشذوذ ، عدم العلة القادحة.

فلو اختل شرط من هذه الشروط الخمسة لما صح الحديث.

وعلى الرغم من أن هذا المنهج الدقيق فرز الأحاديث ونخلها وميَّزَ صحيحها من سقيمها إلا أننا نعاني من انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة بل حتى الأحاديث التي لا أصل لها.

فما مصدر هذه الأحاديث ؟

وما هي الدوافع لنشرها ؟

وما هو الأثر المترتب على انتشارها ؟

وما هي الطرائق والسبل المقترحة للتصحيح ؟

كل هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عليها بــــ (اختصار شديد جداً) من خلال هذه السطور .

بداية نقول : المسلمون لا غنى لهم عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون الحديث حاضراً معهم في كل جوانب حياتهم يستمدون منه أحكام الشريعة ويَطَّلِعُون على حياة رسولهم صلى الله عليه وسلم فيتعلمون منه، ويقتدون به.

وعلم الكتاب والسنة ليس كبقية العلوم الدنيوية التي لا يحتاجها غير المتخصص بل لابد للمسلمين عموماً من أن يكون الكتاب انيسهم والحديث جليسهم، ولكن المشكلة تكمن في أن الحديث درجات وأنواع ، فمنه المقبول ومنه المردود، والمقبول منه الصحيح ومنه الحسن، والمردود منه الضعيف ومنه الموضوع وغير ذلك.

لذلك يتوجب على جميع المسلمين أن يكون لديهم منهج وطريقة في تلقي الأحاديث ونشرها، ابتداءً من العناية بمصادر التلقي وحتى مرحلة القبول والنشر .

وهذه الحاجة وإن كانت قديمة إلا أن مصادر التلقي ومنهج القبول اختلفا قليلاً في العموم عما كان عليه الحال سابقاً، فقديماً كانت مصادر التلقي محدودة، وتجفيف المصادر الغير موثوقة أو المغرضة كانت أسهل بكثير من وقتنا الحاضر .

فاليوم مثلاً أصبح كثير من الناس يتلقون الحديث عبر الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، ويعد هذا من أكبر مصادر التلقي سواء عن طريق المواقع والمنتديات أو عن طريق برامج التواصل الاجتماعي أو عن طريق تطبيقات الهواتف الذكية .

ثم يأتي في المرتبة الثانية الكتب الغير موثوقة أو الغير محققه أو الغير متخصصة، وهذا المصدر وإن كان أقل تأثيراً من سابقة إلا أنه يعد مصدراً هاماً، وأكثر من يقع فريسة لهذا النوع من المصادر هم الطبقة المثقفة في تخصصات أخرى غير الحديث، فيدونون وينقلون من تلك المصادر دون تخريج للحديث أو محاولة البحث عن درجته أو الحكم عليه أو سؤال أهل التخصص.

فقد وقفت على بعض الكتب القديمة والحديثة التي ليس لها علاقة مباشرة بعلم الحديث كبعض كتب الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع وغيرها، فوجدت نقلاً لبعض الأحاديث دون عناية بصحتها من عدمه، المهم أنها تتوافق مع ما يقرره في كتابه وتتفق مع ميوله وهواه وتوجهه، ومثل هذا قد يكون بعمد وقد يكون بغير عمد .

ومن مصادر التلقي أيضاً الأخذ عن الفرق المخالفة فإنهم في كثير من الأحيان يتعمدون نشر بعض الأحاديث التي لا تصح ولا تثبت محاولة منهم لنشر بدعة أو هدم سنة أو لأنها تتماشى مع مذهبهم أو بدعتهم .

والتساهل في الأخذ عن أهل البدع دون تثبت أو سؤال أو بحث أمر خطير، وغالباً ما يجر صاحبه إلى إشكالات كبيرة وتناقضات كثيرة في أمور العقيدة أو في أمور العبادات .

لذلك يفترض في المسلم حينما يرده حديث ما أن يسلك طريقة المحدثين فيبحث عن صحة هذا الحديث من عدمه، أما من لا علم له بهذا فهناك طرائق أخرى سنتطرق إليها بعد اسطر قليلة، لكن كثير من الناس لا يبالي بهذا المنهج وهذه الطرق وإنما قبول الحديث ورده عندهم مبني على الاستحسان، فإن استحسنوا الحديث قبلوه وإن لم يستحسنوه ردوه، وهذا الاستحسان يكون بعدة طرق وله عدة أسباب .

فمن أسباب استحسان الحديث عند غير أهل التخصص :

أولاً : طريقة العرض

فالإنسان العامي ينخدع بطريقة عرض الحديث سواء كان العرض مرئي أو مسموع أو مكتوب فجودة الإخراج والإنتاج والتصميم أو قوة الأسلوب والاقناع لها دور كبير في قبول الحديث أو رده عند غير المتخصص .

ثانياً : موافقة الهوى أو التوجه أو المذهب

هذا أيضاً سبب وجيه وميزان دقيق لدى بعض الناس لقبول الحديث أو رده ، فلو اتفق الحديث مع هواه أو أيد مذهبه وتوجهه فهذا بالنسبة له سبب كافٍ في قبول الحديث ونشره.

ثالثاً : الموافقة العقلية

موافقة الحديث للمعقول سبب ومقياس متبع عند الكثير في قبول الحديث ونشره، ولا شك أن هذا خطير جداً . ومعالجته في غاية الصعوبة أيضاً .

وأما دوافع النشر فتختلف، فمنها الممدوح ومنها المذموم، ومن أعظم الدوافع الحسنة وأهمها وأشهرها، الرغبة بالأجر، ولا شك أن الكل يسعى إلى هذا ويرجوه، ولكن حسن القصد وحده لا يكفي، فلا بد من ضابط علمي دقيق غير مسألة (حسن القصد) لأنها تتعلق بالشخص المتلقي والمرسل ولا علاقة لها بصحة الحديث من عدمه، فحسن القصد لا يصحح الحديث ولا يضعفه.

ومن دوافع النشر أيضاً، الانتصار لفكرة أو منهج أو مذهب، وهذا من الدوافع المذمومة أيضاً، فإن الحديث لو صح فهو لا يحيد عن المنهج أو المذهب الصحيح بينما قد نجد حديثاً لا يثبت ويتفق مع الفكرة أو المنهج أو المذهب، إذا البحث أو العبرة ليست بصحة الفكرة أو المنهج أو المذهب بل بكون الحديث استوفى شروط الصحة أو لا.

والأصل هو اتباع منهج العلماء وطريقتهم في قبول الحديث أو رده وقبول النتائج المترتبة على هذا بغض النظر عن موافقتها لما نعتقده أو ما ندين به، فلو صح الحديث فهو طريقك للاعتقاد الصحيح ولا حاجة لك حينئذ أن تبحث عما يصحح معتقدك.

ومن الدوافع أيضاً السبق في النشر وهذا يحدث عجلةً من البعض دون تثبت محاولة منه لنشر الخبر قبل غيره وبأسرع وقت ممكن ، وهذا الدافع يقع فيه الكثير ، والواجب التريث والتثبت .

ومن الدوافع المذمومة تعمد نشر ما يسيء وهذا موجود عند بعض أتباع الديانات الباطلة أو الفرق المنحرفة بقصد تشويه صورة المسلمين ونشرها بين الناس للصد عن سبيل الله .

وهذه الطرائق التي يسلكها بعض الناس في قبول الحديث ونشره لها أثر سلبي وسبب رئيس في مسألة انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة وانتشار البدع والخرافات واختلاط الأحاديث الصحيحة بغيرها .

فهذا الخلل في التلقي والنشر يحتاج لتصحيح، والمسؤولية في معالجة هذا تقع على عاتق المتخصص وغيره :

الأول : أهل التخصص

فعلى عاتقهم الحمل الكبير في إيجاد حلول وبدائل ميسرة يستطيع المسلم العادي التعامل معها دون أن يجد أي صعوبة في ذلك، وقد بُذِلت في ذلك جهود كبيرة منها على سبيل المثال لا الحصر “مؤسسة الدرر السنية” فقد جَعَلت من البحث عن الحديث ودرجته أمر ميسر ومتاح لأي أحد، ومع ذلك فالإبداع ليس له حدود، ولذلك نأمل أن تكون هناك العديد من المشروعات المماثلة لهذا المشروع الهدف منها تقريب السنة للناس، مع محاولة التميز في كل مشروع جديد يطرح في هذا الجانب.

الأمر الأخر : يجب على أهل التخصص توعية الناس بضرورة التثبت من الأحاديث قبل نشرها مع بيان الضرر البالغ المترتب على نشر مثل هذه الأحاديث، كما ينبغي تعليمهم وإرشادهم لأفضل السبل وأيسرها للوصول إلى درجة الاطمئنان.

ثانياً : غير المتخصص

وكما أن المتخصص مسؤول عن تيسير المنهج وابتكار طرق ووسائل سهلة يستفيد منها المسلم العادي في التثبت من الأحاديث، كذلك يقع على عاتق غير المتخصص شيء من المسؤولية فيجب عليه استشعار المسؤولية المترتبة على نشر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والتي قد تكون ضعيفة بل وموضوعة، كما يجب عليه عدم الاستعجال، وعليه أن يتريث ويتثبت، وعليه البحث والسؤال قبل النشر فطلاب العلم كُثر – ولله الحمد – ووسائل التواصل بهم سهلة وميسرة ، كما أن المواقع التي تخدم هذا الجانب أصبحت منتشرة – ولله الحمد -، فلا عذر لأحد بعد اليوم .

سئل الإمام أحمد عن الرجل يكون عنده الكتب فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة ولا يعرف صحة الأسانيد ولا الصحيح من غيره هل يأخذ بما شاء من ذلك؟ فقال: لا، بل يسأل أهل العلم.

وأخير ، ينبغي علينا جميعاً كمسلمين أن نعتني عناية خاصة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نساهم في تقريب السنة لعموم المسلمين بالطرق المثلى والمحببة لدى الجميع .

والله الهادي إلى سواء السبيل