كيف أختارُ موضوعاً لأطروحةٍ في الحديثِ النَّبويِّ؟

مقالات حديثية
بواسطة Admin منذ 6 سنوات


كيف أختارُ موضوعاً لأطروحةٍ

في الحديثِ النَّبويِّ؟

(رؤيةٌ واقعيّةٌ تطبيقيّةٌ..في ضوءِ المقرَّراتِ الدراسيّةِ..والأطروحاتِ العلميّةِ السَّابقةِ)

نور الدِّين عبد السَّلام مَسْعِي

(الباحث الأوّل بقطاع الإفتاء والبحوث الشرعيّة بوزارة الأوقاف الكويتيّة)


إهداء

الحمدُ لله وحدَه، والصَّلاةُ والسِّلامُ على من لا نبيَّ بعدَه، وعلى آلِه، وصحبِه.

وبعد: فإنّي أهدي مقالي: (كيف أختار موضوعاً لأطروحة في الحديث النبويِّ؟) لمركز السُّنّة والتُّراث النَّبويِّ للدِّراسات والتّدريب؛ لجهودهم المشكورة، وعنايتهم المتميِّزة بإخراج الدِّراسات والبحوث العلميّة في السنّة النبويّة وعلومها.

وأسأل الله تعالى لي ولهم دوام التّسديد والتّوفيق.

الباحث

نور الدِّين عبد السَّلام مَسْعِي


المقدمة

إنّ الحمدَ لله؛ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبدُه ورسولُه .

أمّا بعد: كيف أختارُ موضوعاً لأطروحةٍ في الحديثِ؟…سؤالٌ لطالما اختلجَ في صدورِ كثيرٍ من طلبةِ الماجستيرِ والدُّكتوراه، وجال في أذهانهم، وتطلَّبوا له جواباً هنا وهناك، وربّما لم يجدوا من يسعفهم بالجوابِ، أو يأخذ بأيديهم لفتحِ البابِ!

وقد سألني منذ فترةٍ بعضُ زملائي الطلبةِ أن أختارَ له موضوعاً يكونُ أطروحةً للدُّكتوراه؛ فتلكَّأتُ وتردَّدتُ، ومنَّيتُ وسوَّفتُ!…حتّى منَّ اللهُ عليَّ في هذا الأسبوعِ بحضورِ ندوةٍ علميّةٍ بعنوانِ: (كيف تختارُ موضوعاً للأطروحةِ؟)([1])؛ فكان حضوري لتلك النَّدوة المباركةِ، وجميلُ ما سمعتُ فيها، وعظيمُ نفعِ ما قدَّمه المحاضرانِ خلالَها؛ شاحذاً لهمَّتي، ومُوقداً لفكرتي -مع رغبتي في إجابةِ طِلبةِ صاحبي- لكتابةِ هذا المقالةِ؛ الذي تتناولُ الموضوعَ نفسَه، ولكنْ تطرقُه من زاويةٍ أُخرى من زواياهُ، وتطرحُه من جانبٍ آخرَ من جوانبِه.

وذلك حرصاً منِّي على إيقاف صاحبي على مفاتيحِ الوصولِ إلى توليدِ البحوثِ العلميّةِ، وإرشادِه إلى كيفيّةِ اختيارِ الموضوعاتِ للأطروحاتِ الحديثيّةِ؛ ليكونَ هو الذي يختارُ بنفسِه لنفسِه؛ إذ فرقٌ بين من يختارُ لنفسِه، ومن يختارُ له غيرُه!

هذا؛ وأسألُ المولى -جلَّ وعلا- أن ينفعَ به كاتبَه، والنّاظرَ فيه، وسائرَ إخواني الطلَّابِ، وخاصّةً الدَّاعي إليهِ.

فأقولُ وبالله أستعينُ:


 أوَّلاً: المقرَّراتُ الدراسيّةُ طريقُنا إلى الأطروحاتِ العلميّةِ:

إنّ إرشادَ الطلّابِ إلى كيفيّةِ اختيارِ الموضوعاتِ، وتدريبَهم على الطريقةِ المثلى للوصولِ إلى ما يصلُح للأطروحاتِ = ينبغي أن ينطلقَ من النّواةِ الأولى؛ ألا وهي الموادُّ الدراسيّةُ، والمقرَّراتُ العلميّةُ التي يدرسُها الطّالبِ في السنةِ المنهجيّةِ، مع اعتبارِها بما كتبه العلماءُ والباحثون ممّا يدورُ في فلَكِ تلك المقرَّراتِ من كتبٍ، ورسائلَ، وأطروحاتٍ علميّةٍ، وبحوثٍ محكَّمةٍ؛ لنصلِ من خلالِ ذلك إلى معرفةِ ما خُدمَ من جوانبِ التُّخصصِ، ومعرفةِ ما لم يُخدَم منها، ولا يزالُ بحاجةٍ إلى من ينبري لخدمتِه، ويتصدَّى لسدِّ ثغرتِه -وهو ما يُعرف عند بعض الباحثين بـ(تحديد الفراغات في البحث العلميّ)-؛ فإنّ التصنيفَ ينبغي أن يكونَ وليدَ الحاجةِ، ويقدِّمَ إضافةً علميّةً، ويضعَ لَبِنةً في صرح التخصُّصِ الشّامخِ، ولا ينبغي أن يكونَ لمجرَّدِ التأليفِ، ولو من غيرِ حاجةٍ داعيةٍ إليه، ولا تقديمِ إضافةٍ، ولا وضعِ لبنةٍ!

ولهذا: فإنّ كلَّ مقرَّرٍ في الدِّراساتِ العليا لا يخدمُ هذه القضيّةَ، ولا نرمي من ورائِه إلى تحقيقِ هذه الثَّمرةِ، ولا يساعدُ على تقديمِ إضافةٍ للمقرَّرِ نفسِه، -فضلاً عن التَّخصُّصِ-؛ بتوليدِ عشراتِ البحوثِ المهمّةِ -التي تحرِّر مسائلَه، وتجيبُ عن إشكالاتِه، وتجمعُ ما تناثر من فوائدِه وفرائدِه، وتضيفُ الجديدَ إلى مباحثِه-؛ فوضعُه ضمنَ المقرَّراتِ الدراسيَّةِ للدِّراساتِ العليا ليس له كبيرُ فائدةٍ؛ إذ المرحلةُ مرحلةُ بحثٍ وتحريرٍ، أكثرُ من أن تكونَ مرحلةَ تأسيسٍ وتأصيلٍ.

ومن هنا: ينبغي علينا أوَّلاً في طريقِ اختيارِنا لموضوعِ الأطروحةِ أن نستعرضَ المقرَّراتِ الدراسيّةِ التي درسناها؛ استعراضاً نستحضرُ فيه عناصرَها ومفرداتِها؛ لنحاولَ أن نضعَ أيدينا على العنصرِ، أو المفردةِ التي لا تزالُ بحاجةٍ إلى خدمةٍ، وإضافةٍ من تلك المقرَّراتِ؛ وذلك من خلالِ ما علِمناه أو لمسناه أثناءَ دراستنا لهذا المقرَّر من كونِ هذه الجزئيّة المعيّنة بحاجةٍ إلى بحثٍ، أو تحقيقٍ، أو أنّها تصلُح كأطروحةٍ علميّةٍ، ونحو ذلك. سواء كان ذلك بتنبيهٍ من أستاذ المقرَّر نفسِه، أو من خلالِ ما يمرُّ بنا عند قراءتنا في المصادر الّتي تخدم المقرَّر، ونرجع إليها عادةً لإعدادِ ما نُكلَّف به من بحوثٍ، من إشاراتٍ إلى بعض الموضوعاتِ، الّتي هي بحاجة إلى إفرادها برسالة أو كتاب، أو من خلال حضورنا أو وقوفنا على ما نوقش من رسائلَ وأطروحاتٍ لها علاقة بالمقرَّراتِ؛ فإنّه كثيراً ما ترد فيها الإشارة
-عند التوصيات- إلى الموضوعاتِ الّتي لا تزال بحاجة إلى بحوثٍ ودراساتٍ.


ثانياً:الاستفادةُ من البحوثِ الجزئيّةِ في اختيارِ موضوعٍ للأطروحةِ العلميّةِ:

ومن المهمِّ الّذي لا ينبغي أن نغفَلَ عنه في هذا المقامِ: أهميّةُ الاستفادةِ من البحوثِ الجزئيّةِ في المقرَّرات الدراسيَّةِ، واستثمارِها لتكون نواةً لأطروحةٍ علميّةٍ؛ فالطالبُ المُجِدُّ هو الذي يعرفُ كيف يختارُ أبحاثَه الجزئيّةَ، عند طرحِها من قبلِ الدَّكاترةِ؛ فيختارُ الموضوعاتِ التي تتَّسمُ بالأهميّةَ، والجدَّةِ، والعُمقِ -وإن كان فيها شيءٌ من الصعوبةِ!-، ويغلبُ على ظنِّه أنّها تحملُ إضافةً علميّةً؛ فمن يدري ربّما يصيرُ هذا البحثُ الجزئيُّ الذي قدَّمه أثناءَ دراستِه جزءاً من أطروحتِه، أو مفتاحاً لكتابٍ مفيدٍ في تخصُّصِه؟([2]).


ثالثاً: ما الموضوعُ الّذي ينبغي لكَ اختيارُه؟

وها هنا مسألةٌ مهمّةٌ: وهي: أنّه ينبغي للطالبِ أن يختارَ الموضوعَ الذي ينتمي إلى المقرَّرِ الذي أتقنَه وأجادَه، وألَّم بمباحثِه، وبرَّز فيه خلالَ دراستِه، وتستهويهِ مسائلُه، ويجدُ متعةً في قراءتِه، والكتابةِ فيهِ، ومعالجةِ إشكالاتِه؛ لأنّ هذا أدعى إلى الإبداعِ فيه، عند كتابةِ أطروحةٍ تتعلَّقُ به.

وليحذرِ الطالبُ من الكتابةِ في موضوعاتِ مقرَّرٍ لا يحسنُه، أو يستصعبُه، أو لا يجدُ نفسَه حاضرةً في دراستِه وبحثِه؛ كمن لا يحسنُ علمَ الجرحِ والتعديلِ مثلاً؛ فإنّه لا ينبغي أن يختارَ موضوعاً يتعلَّقُ به، ولو أُشيرَ عليه به!؛ لأنّه لا يوفَّقُ فيه عادةً، وربّما أتى فيه بالعجائبِ؛ على حدِّ قولِ الحافظِ ابنِ حجرٍ ‘: >وإذا تكلَّمُ المرءُ في غيرِ فنِّه؛ أتى بهذه العجائبِ!<([3]).

وهنا يأتي دورُ الأستاذِ المرشدِ أو المشرفِ، وكذا مدير البرنامجِ، ومجالس الأقسامِ؛ الذين ينبغي أن تكون لهم رؤيةٌ واضحةٌ عن مستوى الطلَّابِ، ومدى تمكُّنهم من العلمِ وأدواتِه، والتخصُّص وآلاتِه، ومراعاةِ الفوارقِ بين الدَّارسينَ في مؤهِّلاتِهم العلميّةِ، وقدراتِهم العقليّةِ والذهنيّةِ، ومن يصلُحُ منهم لإرشادِه، أو الموافقةِ له على الكتابةِ في هذا الموضوعِ، ويقدرُ على تقديمِ الإضافةِ فيه، ومن لا يصلُح منهم لذلك، ولا يقدرُ عليه،
ولا ينبغي أن يوجَّه إلى الكتابةِ فيه!


رابعاً: بين الموضوعِ العامِّ والموضوعِ الخاصِّ:

من المسائلِ المهمَّةِ في اختيارِ الموضوعاتِ: مراعاةُ اختيارِ الموضوعِ الخاصِّ أو الجزئيِّ الدقيقِ العميقِ ما دامتْ مادَّتُه تصلُح كأطروحةٍ في مرحلتِها (الماجستير أو الدُّكتوراه)، وإيثارُه على الموضوعاتِ العامّةِ غيرِ العميقةِ؛ لأنّ كثيراً من الموضوعاتِ العامّةِ في تخصُّصِ الحديثِ وغيرِه قد كُتبتْ فيها أُطروحةٌ أو أطروحاتٌ متعدِّدةٌ في الموضوعِ الواحدِ؛ وذلك بسببِ توارُد الأذهانِ عليها، وتسابقِ الأفكارِ إليها! بخلافِ الموضوعاتِ الدَّقيقةِ العميقةِ؛ فإنّ تواردَ الأذهانِ عليها قليلٌ، ولا ينتبهُ لها إلَّا المتخصِّصونَ، العالمونَ بالفنِّ ومشكلاتِه التي تحتاجُ إلى حلٍّ، ومواطنِ الفراغاتِ فيه الَّتي تحتاجُ إلى سدٍّ.

هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أُخرى؛ فإنّ البحثَ الجزئيَّ الاستقرائيَّ التحليليَّ الدقيقَ أكثرُ فائدةً، وأدقُّ نتائجَ، وأقدرُ على الإجابةِ عن الإشكالاتِ من البحوثِ العامّةِ التي تغلبُ فيها الدِّراسةُ الوصفيّةِ على الدِّراسةِ الاستقرائيّةِ التحليليّةِ؛ ذلك لأنّ الموضوعاتِ العامَّةِ يكونُ البحثُ فيها عادةً أُفقيًّا سطحيًّا، بخلافِ الموضوعاتِ الجزئيّةِ؛ فإنّ البحثَ فيها يكونُ عموديًّا عميقاً؛ فيجمعُ الباحثُ جميعَ ما يتعلَّق بالموضوعِ الخاصِّ أو الجزئيِّ عند عالمٍ معيَّنٍ
أو مطلقاً، ثمَّ يغوصُ فيه مناقشةً وتحليلاً، ومقارنةً وتعليلاً؛ ليصلَ إلى نتائجَ دقيقةٍ محدَّدةٍ في هذا الموضوعِ.

وبالمثالِ يتَّضحُ المقالُ: المنهجُ الحديثيُّ للشيخِ الألبانيِّ ‘، كُتِبتْ فيه عدَّةُ أطروحاتٍ علميَّةٍ عامَّةٍ؛ وذلك لكثرةِ التواردُ ذهنيًّا عليه من الأساتذةِ المشرفينَ، والطَّلبةِ الباحثينَ، ولكنْ على الأقلِّ من ذلكِ مثلاً: منهجُه في تعليلِ الأحاديثِ، أو منهجُه في الجرحِ والتعديلِ، وأقلَّ منه أكثر: منهجُه في تحسينِ الأحاديثِ، أو منهجُه في الشاذِّ وزيادةِ الثِّقةِ،
أو منهجُه في الرُّواةِ المجاهيلِ مثلاً.

بل إنِّي لا أعلمُ من كَتَب في هذه الموضوعاتِ الأخيرةِ أصلاً، مع العلمِ بأنّ الأطروحاتِ العامّةَ قد تناولتْ هذه الموضوعاتِ الجزئيَّةَ، ولكنْ بطريقةٍ وصفيّةٍ، ونظرة جزئيّة غالباً، لا بطريقةٍ استقرائيّةٍ شاملةٍ عميقةٍ؛ ولهذا لم تُقدَّمْ فيها نتائجُ نهائيّةٌ صحيحةٌ،
ولا محدَّدةٌ دقيقةٌ، وظلَّتْ بحاجةٍ إلى كتابةٍ مفردةٍ فيها؛ تبيِّنُ بدقَّةٍ منهجَ الشيخِ الألبانيِّ فيها…وهكذا يُقالُ في كثيرٍ من الموضوعاتِ؛ التي تناولها باحثون سابقونَ، ولكنْ بقيتْ فيها فراغاتٌ كثيرةٌ لموضوعاتٍ علميّةٍ دقيقةٍ، لا تزالُ بحاجةٍ إلى من ينبري لسدِّها.


خامساً: التطبيقُ العمليُّ لكيفيّةِ اختيارِ الموضوعاتِ من خلالِ المقرَّراتِ الدراسيّةِ:

إذا علمنا ما سبق، وتيقّناهُ: نستطيعُ الآنَ أن نلجَ إلى التطبيقِ العمليِّ لكيفيّةِ اختيارِ الموضوعِ، واستخراجِه من خلالِ مفرداتِ المقرَّرِ الدراسيِّ ومباحثِه، مع الاستعانةِ والاستنارةِ بما كُتبَ سابقاً في البابِ من أطروحاتٍ، وبحوثٍ مشابهةٍ أو مقاربةٍ.

وسأمثِّلُ لكلِّ مقرَّرٍ بمثالٍ أو مثالينِ؛ لكلِّ نوعٍ من أنواعِه، أو قسمٍ من أقسامِه، تاركاً التوسُّعَ في التّمثيلِ والاختيارِ للطَّالبِ نفسِه؛ فإنّه لا ينبغي له -بعد قراءةِ هذا المقالةِ- أن يقولَ: لا أعرفُ كيفَ أختارُ موضوعاً لأطروحةٍ في الحديثِ النبويِّ، أو يقولَ: لا أعلمُ كيف أولِّدُ موضوعاتٍ للأطروحاتِ الحديثيّةِ.

وسأقتصرُ هنا على المقرَّراتِ الدراسيّةِ السبعةِ التي سندرسها -بإذن الله تعالى- في مرحلة الدُّكتوراه، مع البدءِ بمقرَّرٍ ثامنٍ من مقرَّراتِ مرحلةِ الماجستيرِ؛ لأنّه لبُّ المقرَّراتِ وأسُّها؛ ألا وهو: مقرَّرُ علومِ الحديثِ.


1علومُ الحديثِ ومصطلحُه:

وهذا المقرَّرُ من أكثرِ مقرَّراتِ الحديثِ التي كُتبتْ فيها كتبٌ وأطروحاتٌ، ولكنْ
لا يزالُ هناكَ مجالٌ للإضافةِ فيه، وهي على ثلاثةِ أنواعٍ:

النوعُ الأوّلُ: من خلالِ الموضوعاتِ: فبعضُ موضوعاتِ هذا المقرَّرِ تستحقُّ أن تفردَ برسالةٍ علميّةٍ؛ على غرارِ ما أُفردَ من موضوعاتٍ أخرى منه برسائلَ؛ فقد كُتب في الحديثِ المرسلِ، والمنكرِ، وزياداتِ الثِّقاتِ، وغيرِها من موضوعاتِ المصطلحِ.

فيأتي الباحثُ إلى الموضوعاتِ التي لم تُفردْ برسالةٍ؛ فينظرُ في مدى إمكانيّةِ إفرادِها برسالةٍ: تجمعُ شتاتَ مسائلِها، وتحرِّرُ المشكلَ من مباحِثها، وتفصِّلُ أنواعَها، وتستقصي أمثلتَها، ومناهجَ العلماءِ فيها…إلخ.

ومن الأنواعِ التي تستحقُ أن تفردَ برسالةٍ: الحديثُ الغريبُ؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: الحديثُ الغريبُ عند المحدثينَ. إمّا في رسالةٍ عامّةٍ جامعةٍ، أو خاصّةٍ بإمامٍ معيّنٍ؛ مثلُ: الحديث الغريب عند الإمامِ أبي نعيمٍ في كتابِه (حلية الأولياء).

وهنا يُنبَّه: إلى الأنواعِ التي أُفردتْ بالتّصنيفِ قديماً، ثمّ ضاعتْ تلك المصنَّفاتُ؛ فإنّه ينبغي إحياؤُها في أطروحاتٍ علميّةٍ؛ مثلُ: (تمييز المزيدِ في متَّصلِ الأسانيدِ) للخطيبِ البغداديِّ ‘.

النوعُ الثّاني: من خلال أعلامِ المحدِّثينِ: أي: أن تُكتبَ رسائلُ علميّةٌ في جمعِ آراءِ عالمٍ من العلماءِ؛ الّذين يكثرُ النّقلُ عنهم في كتبِ أصولِ الحديثِ ومصطلحِه، فتُجمعُ آراءُ ذلك المحدِّثِ في أنواعِ علومِ الحديثِ، وتُستقصى أقوالُه من مصادرِها، وتحرَّرُ نصوصُها، ثمَّ تقارَنُ بآراءِ غيرِه من الأئمّة في زمانِه، وبما استقرَّ عليه أهلُ الاصطلاحِ من بعدِه.

ومن الأعلام الذين يستحقُّون أن يفردوا برسالةٍ في هذا البابِ: الإمامُ أحمد ‘؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ: أصولُ الحديثِ عند الإمامِ أحمد (جمعاً ودراسةً)([4]).

النوعُ الثّالثُ: من خلالِ مصنَّفٍ من المصنَّفاتِ: التي كُتبتْ في أصولِ الحديثِ ومصطلحِه؛ فتكتبُ دراسةٌ عن منهجِ مصنِّفِه فيه، ومصادرِه ومواردِه، ومنزلةِ كتابِه بين كتب الفنِّ، وإضافاتِه فيه، واستفادةِ العلماءِ بعده من كتابِه، والمؤاخذاتِ الواردةِ عليهِ، ومن وافقه، ومن انتقده…إلخ.

مثلُ دراسةِ كتابِ: (المحدِّثُ الفاصلُ بين الراوي والواعي) للرَّامَهُرْمُزِيِّ؛ فيكون العنوانُ مثلاً: الحافظُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ ومنهجُه في كتابِه (المحدِّث الفاصل).


2-  علمُ العِلل:

 والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّرِ على قسمين:

القسمُ الأوّل: الدِّراساتُ التّأصيليّةُ: وهي على نوعين:

الأوّلُ: دراساتٌ عامّةٌ: ونعني بها: أن تُكتبَ رسائلُ علميّةٌ مفردةٌ في دراسةِ جانبِ من جوانبِ علمِ العللِ، أو موضوعٍ من موضوعاتِه؛ يتعلَّقُ بأجناسِ العلَّةِ، أو أسبابِها؛ أو قرائنِ التَّعليلِ، ونحو ذلك؛ مثلُ: سلوك الجادَّةِ وأثرُه في تعليلِ الأحاديثِ([5]). أو: الإعلال بالمخالفةِ عند أئمّةِ الحديثِ. أو: التّجويد في روايةِ الحديثِ، وأثرُه في معرفةِ العِللِ([6]).

الثّاني: دراساتٌ خاصّةٌ: ونعني بها: الدِّراساتِ الّتي تتناولُ منهجَ إعلالِ الأحاديثِ عند إمامٍ من الأئمّةِ؛ مثلُ: منهج إسحاقَ ابنِ راهُويه في تعليلِ الأحاديثِ. أو: منهج الإمامِ ابنِ المواقِّ في تعليلِ الأحاديثِ (من خلال كتابهِ بغيةِ النُّقاد النَّقلَةِ)، مع مقارنتِه بمنهجِ غيرِه من أئمّةِ العللِ.

القسمُ الثّاني: الدِّراساتُ التطبيقيّةُ: وهي على أنواع:

الأوّلُ: من خلالِ بابٍ من الأبوابِ: أي: جمعُ الأحاديثِ المعلّةُ في بابٍ من الأبوابِ؛ مثلُ: الأحاديث المعلَّة في كتابِ البيوعِ (جمعاً ودراسةً). فإنْ كانتْ كثيرةً؛ فيمكنُ أن يشتركَ فيها أكثرُ من طالبٍ، أو تخصيصُها بنوعٍ معيّنٍ من أنواعِ التّعليلِ؛ مثلُ: الأحاديث المعلَّة بالإرسالِ في كتابِ البيوعِ.

الثّاني: من خلالِ إمامٍ من الأئمّةِ: أي: جمعُ الأحاديثِ التي أعلَّها إمامٌ من الأئمّةِ؛ إمّا مطلقاً، أو في كتابٍ من كتبِه. مثالُ الأوّلِ: الأحاديثُ الّتي أعلَّها سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ (جمعاً ودراسةً). ومثالُ الثّاني: الأحاديثُ الّتي صرَّح بإعلالِها الإمامُ البزّارُ في (مسندِه). فإنْ كانتْ كثيرةً؛ فيمكنُ أن يشتركَ فيها أكثرُ من طالبٍ، أو تخصيصُها بنوعٍ من الإعلال؛ مثلُ: الأحاديث الّتي أعلَّها الإمامُ البزَّارُ في (مسنده) بالنكارةِ (جمعاً ودراسةً). أو: الأحاديث التي أشار إلى إعلالِها الإمامُ مسلمٌ في (صحيحه) (جمعاً ودراسةً). أو: علل أحاديثِ الأبوابِ التي تجنّبَ البخاريُّ إخراجَها في (صحيحه).

الثّالث: من خلالِ نوعٍ من الأنواعِ: مثل: زياداتُ الثِّقاتِ في أحاديثِ الصَّحيحين (جمعاً ودراسةً). فإنّ طالتْ؛ فيمكنُ أن يشتركَ فيها أكثرُ من طالبٍ، أو تُخصَّ بكتابٍ واحدٍ؛ مثل: زياداتُ الثِّقاتِ في أحاديثِ الصحيحينِ (مستخرج الإسماعيلي أنموذجاً).

الرّابع: من خلال راوٍ من الرُّواةِ: مثلُ: الإمام معمر بن راشد الأزديّ، وأحاديثُه المعلَّة في السنن الأربعة.


3- مناهجُ المحدِّثينَ:

والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّرِ تكونُ على نوعين:

الأوّلُ: دراسةُ إمامِ من الأئمّةِ: ونعني بهذا: أن يُخصَّ إمامٌ من أئمّةِ الحديثِ بدراسةِ منهجِه، وجهودِه في علومِ الحديثِ عموماً، أو في بعضِ علومِ الحديثِ خصوصاً؛ مثلُ: منهج الإمامِ ابنِ الملقِّنِ في علومِ الحديثِ. أو: منهج الإمامِ ابنِ الملقِّن في تخريجِ الحديثِ ونقدِه.

ويلحقُ بهذا: الأطروحاتُ التي تتناولُ جهودَ إمامٍ من الأئمّة في علومِ الحديثِ؛ مثلُ: الإمام ابن دقيقِ العيدِ، وجهوده في علومِ الحديثِ.

الثّاني: دراسةُ مصنَّفٍ من المصنّفاتِ الحديثيّةِ: ونعني بهذا: أن نتناول مصنَّفاً من مصنَّفاتِ الحديثِ بالدِّراسةِ من جميعِ جوانبِه، وبيانِ منهجِ مصنِّفِه فيه؛ مثلُ: منهج الإمامِ الرُّويانيِّ في كتابه (المسند). أو: الصناعة الحديثيّة في (مصنّف ابن أبي شيبة).


4- فقهُ الحديثِ:

والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّر تكونُ على ثلاثةِ أنواعٍ:

الأوّلُ: من خلالِ مصنَّفٍ من المصنّفاتِ الحديثيّةِ: وذلك بدراسةِ تراجِم أبوابِه؛ لمعرفةِ

فقهِ مصنِّفِه؛ مثل: فقه الحديثِ عند الإمامِ النَّسائيِّ في (سننه) من خلالِ تراجِمِ أبوابِه([7]).

الثّاني: من خلالِ علَمٍ من أعلامِ الحديثِ: وذلك بدراسة منهج إمامٍ من الأئمّةِ في شرح الحديثِ وفقهِه؛ إمّا مطلقاً؛ مثلُ: منهج شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّةِ في شرحِ الحديثِ.
أو مقيَّداً بكتابٍ من كتبِه؛ مثلُ: منهج الإمامِ الطِّيبي في شرحِ الحديثِ من خلالِ كتابِه (الكاشف عن حقائق السُّنن).

الثّالثُ: من خلال موضوعٍ من الموضوعاتِ: وخاصةً الفقهيّةَ منها؛ فتُجمعُ الأحاديثُ الواردةُ فيه، وتُدرسُ روايةً؛ بتخريجِها، والحكمِ عليها، ودرايةً؛ بذكرِ ما اشتملتْ عليهِ من أحكامٍ فقهيّةٍ، وفوائدَ حُكميّةٍ. مثلُ: الأحاديث الواردة في الوقفِ (روايةً ودرايةً).
أو: الأحاديث الواردة في الاقتصادِ والتِّجارةِ (روايةً ودرايةً). أو: الأحاديث الواردة في الزراعةِ (روايةً ودرايةً). أو: أحاديث معجزاتِ النّبيِّ × (روايةً ودرايةً). أو: الأحاديث والآثار الواردة في العملِ التطوُّعيِّ للمرأةِ المسلمةِ (روايةً ودرايةً)([8]).

الرابعُ: من خلالِ عنصرٍ من عناصرِ المقرَّرِ: يرى الباحثُ أنّه بحاجةٍ إلى أن يُفردَ بدراسةٍ؛ مثلُ: جمع الرواياتِ، وأثرُه في فقه الحديثِ النبويِّ.


5- مناهجُ المعاصرينَ في الحكمِ على الحديثِ:

والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّر تكونُ على نوعينِ: عامٍّ، وخاصٍّ.

الأوّلُ: العامُّ: ويكونُ بتناول جهودِ العلماءِ المعاصرينَ في نقدِ السنّةِ وغربلتِها، وتمييزِ صحيحِها من ضعيفِها؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: جهودُ المعاصرين في نقدِ السنّةِ النبويّةِ (دراسةٌ استقرائيّةٌ نقديّةٌ).

الثاني: الخاصُّ: ويكونُ بتناولُ علَمٍ من العلماءِ المعاصرِين بدراسةِ منهجِه في التصحيحِ والتعليلِ؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: منهجُ العلَّامةِ أحمد محمّد شاكرٍ في تصحيحِ الأحاديثِ وإعلالها. أو: منهجُ الشيخِ شعيبٍ الأرنؤوط في الحكمِ على الأحاديثِ. 


6- علمُ الجرحِ والتّعديلِ، وطبقاتِ الرُّواةِ:

والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّر تكونُ على ثلاثةِ أنواعٍ:

الأوّلُ: من خلالِ علَمٍ من أعلامِ الجرحِ والتعديلِ: فيُجمعُ كلامُه في الرُّواةِ، ويقارَنُ بكلامِ غيرِه من النُّقادِ؛ ليُرى هل هو من المتشدِّدين، أو المتساهلين، أو المعتدلين؛ مثلُ الإمامِ موسى بن هارون الحمّالِ، أو الحافظِ ابنِ نميرٍ، أو ابنِ البرقي؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: منهجُ الحافظِ ابنِ نُميرٍ في الجرحِ والتعديلِ. أو: الحافظُ موسى بن هارون الحمّال، ومنهجُه في الجرحِ والتَّعديلِ([9]). أو: منهجُ الإمامِ ابنِ البَرْقي في الجرحِ والتّعديلِ.

الثّاني: من خلالِ مصنَّفٍ من المصنّفاتِ: فيتناولُ الباحثُ أحدَ مصنَّفاتِ الجرحِ والتعديلِ، أو طبقاتِ الرُّواةِ بالدِّراسةِ والتّحليلِ، وبيانِ منهجِ مصنِّفه فيه، ومصادرِه في كتابِه، وإضافاتِه في الفنِّ، والمؤاخذاتِ الواردةِ عليه؛ مثلُ: كتاب (معجم الصحابة) للبغويِّ؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: منهجُ الإمامِ البغويِّ في كتابه (معجم الصحابةِ). أو: منهجُ الإمامِ عمرو بن عليٍّ الفلَّاسِ في الجرحِ والتعديلِ من خلالِ كتابِه (التاريخ). أو: تعقُّباتُ الحافظِ مُغُلْطاي على الإمامِ الـمِزِّيِّ في كتابِه (إكمال تهذيب الكمال) (جمعاً ودراسةً).

الثّالثُ: من خلالِ موضوعٍ من موضوعاتِ المقرَّرِ: التي لا تزالُ بحاجةٍ إلى خدمةٍ،
أو ينبغي أن تفردَ بالكتابةِ؛ مثلُ: معرفة طبقات الرواةِ، وأثرُها في الجرحِ والتعديلِ، والتّصحيحِ والتّعليلِ.


7- نقدُ المتنِ عندَ المحدِّثينَ:

والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّر تكونُ على ثلاثةِ أنواعٍ:

الأوّلُ: من خلالِ علَمٍ من الأعلامِ: يكونُ معروفاً بعنايتِه بنقدِ المتنِ؛ كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّةَ([10])، وتلميذهِ الإمامِ ابنِ القيِّمِ؛ مطلقاً، أو مقيَّداً بكتابٍ من كتبِهما؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: منهجُ الإمامِ قيِّمِ الجوزيَّةِ في نقدِ متونِ السنّةِ النبويّةٍ. أو: نقدُ المتنِ عند شيخِ الإسلامِ ابن تيميّةَ من خلال كتابِه (منهاج السنّة النبويّة).

الثّاني: من خلالِ موضوعٍ من موضوعاتِ المقرَّرِ: التي لم تُفرَدْ بالجمعِ والتَّصنيفِ؛ فيسدُّ الباحثُ هذه الثغرةَ؛ مثلُ: الإدراج في متونِ الأحاديثِ (أنواعُه وأحكامُه). أو: الشذوذ في متونِ الأحاديثِ (دراسةٌ تأصيليّةٌ تطبيقيّةٌ).

الثّالثُ: من خلالِ المرويّاتِ: وذلك بجمع الأحاديثِ التي أُعلَّتْ وضُعِّفتْ بنكارةِ متونِها في كتابٍ من الكتبِ، أو عند إمامٍ من الأئمّة؛ مثلُ: ابنِ الجوزيِّ من المتقدِّمين، والمعلِّميِّ من المتأخِّرين أو المعاصرينَ؛ فيكونُ العنوانُ مثلاً: الأحاديثُ الباطلةُ في كتابِ الموضوعاتِ للإمامِ ابنِ الجوزيِّ (جمعاً ودراسةً). أو: الأحاديثُ التّي ضعّفها العلامةُ المعلميُّ لنكارةِ متونِها (جمعاً ودراسةً).


8- مختلفُ الحديثِ ومشكِلُه:

والإضافةُ العلميّةُ في هذا المقرَّرِ تكونُ على ثلاثةِ أنواعٍ:

الأوّلُ: من خلالِ علَمٍ من أعلامِ المحدِّثين: الذين يعرفون بعنايتهم بمختلفِ الحديثِ، ومحاولةِ التّوفيقِ بين ما ظاهرُه التعارُض من الأحاديثِ؛ فيُفرَد برسالةٍ تجمعُ جميعَ ما تناثر في كتبه من كلامٍ له في هذا البابِ؛ مثلُ: الإمام الخطّابي، أو شيخ الإسلامِ ابن تيميّة؛ فيكونُ العنوانُ مثلاً: مختلفُ الحديثِ عند الإمامِ الخطّابي، أو: أجوبةُ شيخ الإسلامِ ابن تيميّة عن الأحاديثِ المشكِلةِ.

الثاني: من خلالِ مصنَّفٍ من المصنّفاتِ: كطرحِ التثريبِ للعراقيَينِ؛ فيكونُ عنوانُ الأطروحةِ مثلاً: مختلفُ الحديثِ في كتابِ (طرح التّثريبِ).

الثالثُ: من خلالِ موضوعٍ من موضوعاتِ المقرَّرِ: التي يلحظُ الباحثُ أنّها بحاجةٍ إلى أن تُفرَدَ برسالةٍ؛ مثلُ: توهُّم تعارُض الحديثِ الشّريف مع القرآنِ الكريم (دراسةٌ نقديّةٌ).
أو: الأحاديثُ الّتي يُتوهَّمُ تعارُضها مع قواعدِ الشريعةِ (جمعاً ودراسةً). أو: الأحاديثُ الّتي يُتوهَّمُ تعارُضُها مع العقلِ (جمعاً ودراسةً) ([11]).


خامساً: ضوابطُ مهمّةٌ:

هذا ما يسَّر اللهُ لي كتابتَه وجمعَه في هذا البابِ، وأرجو أن أكون قد وفِّقتُ فيه للصَّوابِ، وأنبِّهُ أخيراً إلى أنّه ينبغي لمن أراد أن يختارَ موضوعاً من هذه الموضوعاتِ أن يراعيَ الضوابطَ التاليةَ:

أوّلاً: الاستعدادُ العلميُّ لطَرْقِ الموضوعِ، والقدرةُ على الإجادةِ فيه؛ كما سبق.

ثانياً: سؤالُ الأساتذةِ والباحثينَ المختصِّينَ للتأكُّد من مدى صلاحيّةِ الموضوعِ ليكونَ أطروحةً علميّةً؛ فإنّ بعضَ الموضوعاتِ المطروحةِ ربّما كانتْ صالحةً للماجستيرِ دون الدُّكتوراه، وربّما لم تكن صالحةً لهما؛ وإنّما تصلُح كبحثٍ علميٍّ محكَّمٍ فحسبُ؛ لقلَّةِ مادَّتها.

ثالثاً: التأكُّد من أنّ الموضوعَ لم تسبِقِ الكتابةُ فيه؛ وذلك بالرجوعِ إلى مواقعِ الجامعاتِ ومراكزِ البحثِ العلميِّ، وفهارسِ الأطروحاتِ العلميّةِ، مع التحرِّي الشديدِ، والتأنِّي المديدِ! فإنّ هذه الموضوعاتِ والعناوينَ جمعتُها من مدَّةٍ على فتراتٍ متفرِّقةٍ، في ملَّفٍ واحدٍ؛ بعنوانِ: (مخطوطاتٌ وموضوعاتٌ)، ولم أزلْ حتّى اليومَ أزيدُ فيه ما استجدَّ عندي، وأنقصُ منه ما تمَّ بحثُه من الموضوعاتِ، أو تحقيقُه من المخطوطاتِ.

رابعاً: التصوُّرُ الواضحُ للموضوعِ الذي يريدُ الباحثُ اختيارَه؛ حتّى يُقدِمَ عليه وهو على بيِّنةٍ من أمرِه.

خامساً: الاستعانةُ بالبحوثِ والدِّراساتِ والأطروحاتِ المشابهةِ؛ للمساعدةِ على وضعِ خِطّةٍ متكاملةٍ للموضوعِ قبلَ تقديمِه، مع الاستعانةِ بالدَّكاترةِ والباحثينَ وطلبةِ العلمِ الّذين يظنُّ أنّ لهم خلفيّةً عن موضوعِ البحثِ؛ للإرشادِ والدِّلالةِ؛ فإنّك لا تدري أين تجدُ ضالَّتك؟

سادساً: إذا وجدتَ موضوعاً من هذه الموضوعاتِ قد سبقك غيرُك إليه، وأفردَه بأطروحةٍ علميّةٍ؛ فينبغي أن تختارَ غيرَه، ولا مانعَ من إعادةِ الكتابةِ فيه؛ إذا رأيتَ أنّ الباحثَ السّابقَ لم يعطِه حقَّه.


وفي ختامِ هذه المقالةِ: لا أملكُ أن أقولَ لك إلَّا كما قال الإمامُ ابنُ القيِّمِ ‘:

«فيا أيها الناظرُ فيه: لك غُنمُه، وعلى مؤلِّفِه غُرمُه، ولك صَفوُه، وعليه كَدَرُه، وهذه بضاعتُه المُزجاةُ تُعرَضُ عليكَ، وبناتُ أفكارِه تُزَفُّ إليكَ؛ فإنْ صادفَتْ كُفؤاً كريماً؛ لم تعدَمْ منه إمساكاً بمعروفٍ، أو تسريحاً بإحسانٍ، وإنْ كان غيرُه؛ فاللهُ المستعانُ!

فما كان من صوابٍ؛ فمن الواحدِ المنَّانِ، وما كان من خطأ؛ فمنِّى ومن الشيطانِ، واللهُ بريءٌ منه ورسولُه» ([12]).

وَإِنْ تَجِدْ عيباً فَسُدَّ الْـخـَلَلَا   *   فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فِيهِ وَعَلَا

هذا، واللهُ وليُّ التَّوفيقِ

وصلَّى الله على نبيِّنا محمّدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه، وسلَّم


([1]) كانت الندوة يوم الأربعاء: 19/1/1436هـ، الموافق: 12 /11/2014م، بقاعة خالد المذكور، في  كليّة الشريعة بجامعة الكويت، وحاضر فيها الأستاذان الكريمان، والدُّكتوران الفاضلان: سلطان العكايلة، ومحمّد خالد منصور –نفع الله بهما-.
([2]) وهذا ما حصل معي في كتابي: (المدخل إلى سنن الإمام ابن ماجه)؛ الذي طبعه مكتبُ الشؤونِ الفنيّة بقطاعِ المساجدِ، ووُزِّع بمناسبةِ عقد مجالس قراءةِ وسماعِ (سنن الإمام ابن ماجه)؛ فإنّ أصلَه بحثٌ كتبتُه، وقدَّمتُه في مقرَّر: (أعلام المحدِّثين ومناهجهم) في مرحلةِ الماجستيرِ، وبالله التوفيق.
([3]) (فتح الباري) (3/584).
([4]) هذا الموضوعُ من جملةِ ما أوصى به أخونا الفاضل الدكتور أبو بكر كافي في خاتمة أطروحته للدُّكتوراه: (منهج الإمام أحمد في التّعليل وأثره في الجرح والتعديل)، ولا أعلمُ أنّه كُتبت فيه أطروحةٌ علميّةٌ حتّى السّاعة. ويمكنُ أن يقاسَ عليه، وينسج على منوالِه؛ فيُكتبَ عن أصولِ الحديثِ عند كثيرٍ من الأئمّة الذين يكثر النّقلُ عنهم في كتبِ المصطلحِ؛ كشعبةَ مثلاً. لكنْ مع أهميّة مراعاةِ حجمِ النُّقولِ الواردةِ عن الإمامِ؛ فرُبَّما كان مجموعُها لا يصلُح أن يكونَ أطروحةً علميّةً للماجستير أو الدُّكتوراه، وإن كان قد يصلُح بحثاً علميًّا محكَّماً.
([5]) وللأستاذ الدُّكتور/ ياسر الشماليّ –وغيره- بحثٌ محكَّمٌ في هذا الموضوعِ؛ فيكونُ قد فتح البابَ، ومهَّد الطريقَ لمن أرادَ تناول هذا الموضوعَ.
([6]) وقد أخبرني أستاذُنا الدُّكتور/سلطان العكايلة أنّه كُتب في هذا الموضوعِ بحثٌ محكَّمٌ؛ فيكونُ قد فُتح فيه البابُ كذلك، ووُطِّئ فيه الطريقُ للسالكِ!
([7]) ويقاسُ على هذا العنوانِ عشراتُ الموضوعاتِ المتعلِّقة بفقه الأئمّةِ أصحابِ المصنَّفاتِ –ممّن لم يُكتبْ فيهم رسائلُ علميّة-؛ كالدارميِّ، وغيرِه من الأئمّةِ الذين ذكَر طائفةً منهم: الحاكمُ النيسابوريُّ في (النوع العشرين: معرفةُ فقه الحديثِ) من كتابِه: (معرفة علوم الحديث) (ص/112).
([8]) وهذا الموضوعُ غالبُ أحاديثه مجموعةٌ في كتاب: (حسن الأُسوة فيما ورد عن الله ورسوله في النِّسوة) لصدِّيق حسن خان. علماً بأنّ هذا الكتابَ نفسَه بحاجةٍ إلى تحقيقٍ علميٍّ في أطروحةٍ أو أطروحتينِ. ولكنّ تحقيقَ المخطوطاتِ ليس من مقصدي في هذه المقالة؛ فلعلَّني أفرده بمقالةٍ أُخرى عن: (تحقيق المخطوطات في الأطروحات العلميّة)، وبالله التوفيقُ.
([9]) وهذا الموضوعُ قد اتَّصلَ عليَّ في خصوصه أحدُ الباحثين من السعوديّة، يستشيرني في مدى صلاحيّتِه كأطروحةٍ علميّةٍ؛ فأشرتُ عليه به، ولا أدري إن كان سجّله أم لا؟. وانظر للمزيد حوله: رسالتي للماجستير: (الحافظُ موسى بن هارون الحمّال، وكتابُه الفوائد)، طبع- دار غراس.
([10]) وقد كتب الدكتور/ بدر العمّاش بحثاً محكَّماً في هذا الموضوع، يمهِّد السبيل لمن أراد التوسُّع، بعنوان: (أشهر وجوه نقد المتن عند شيخ الإسلام ابن تيميّة).
([11]) وللمزيد حول الآفاقِ العلميّةِ لهذا المقرَّر: انظر مقالي: (علم مختلف الحديث)، في مجلّة (الوعي الإسلاميّ) (العدد: 538) (جمادى الآخرة: 1431هـ/مايو – يوليو:2010م).
([12]) (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) (ص/8).