نقد المتون إشكالات في المفهوم والتطبيق

مقالات حديثية
بواسطة Admin منذ 6 سنوات

 

 


نقد المتون

إشكالات في المفهوم والتطبيق

ماجد بن محمد الجهني


ما زالَتْ مباحِثُ نقدِ مُتونِ السُّنةِ النَّبويَّةِ تأخذُ الحَيِّزَ الأكبرَ مِنَ الحديثِ والجَدلِ بينَ كثيرٍ مِنَ العُلومِ الشَّرعيةِ الأخرى، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا الجانبَ ما زالَ متعطشًا للبحثِ والدِّراسةِ، وأنَّ غضَّ الطَّرفِ عنه والتَّعامِي عَنْ مستجدَّاتِه سيُوقِعنا في حرجٍ شديدٍ في المستقبلِ؛ فهو عِلمٌ متجدِّدٌ؛ فما كان مسَلَّمًا به بالأمس قد يصبحُ مشكِلًا في زماننا هذا والعكس، فمفهومُ النَّقدِ وتطبيقاتُهُ لم تعدْ كمَا كانتْ بالأمسِ، فمعَ مرورِ الزمنِ اختلفَ المفهومُ والتطبيقُ تبعًا، وأخذَا أبعادًا وأشكالًا خرجت بهما في أحايينَ كثيرةٍ عن الضَّوابطِ والقواعدِ الَّتي سارَ عليها العلماء .

فهناك الطريقة العلمية الرَّصِينة في ممارسة النَّقدِ معَ المحافظة على مكانة السُّنةِ النبويَّةِ ومنزلتِهَا، بينمَا يخط البعض الآخر لنفسه مَنهجًا جديدًا لا يستند إلى قواعدَ أو ضوابطَ علميةٍ يمكنُ تطبيقُهَا والاعتمادُ عليهَا.

لَقدْ سَارَ علماءُ الحديثِ على منهجيَّةٍ علميَّةٍ في دِراسةِ الأحاديثِ النَّبويةِ، ووضعوا لها قواعِدَ نظريةً وتطبيقيةً لقبولِ الحديثِ أو ردِّهِ، ولتَميِيزِ صحيحهِ من ضَعيفهِ، فكانت – بشهادةِ الأعداءِ – من أقوى المناهِجِ والقواعِدِ العلميَّةِ ضبطًا وإتقانًا، إلَّا أنَّ فِئامًا مِنَ النَّاس لم يَحلُوا لهم السَّيرَ على طريقةِ النُّقَّادِ مِنْ أهلِ الحديثِ؛ فاختَطُّوا لأنفسهِمْ مَنهجًا بعيدًا كلَّ البُعدِ عن جادةِ الصَّوابِ؛ فضَلُّوا وأضَلُّوا.

والمشكِلةُ الحقيقيَّةُ في هؤلاءِ تكمنُ في دعوتهم عامَّةَ النَّاسِ لنقدِ الأحاديثِ بدُونِ أيِّ منهجيَّةٍ عِلميَّةٍ؛ فقَطْ بمُجرَّدِ النَّظرِ المبدَئيِّ، وتحكيمِ العقلِ الفردِيِّ؛ مما أحدثَ فوضَى في نقدِ الأحاديثِ النَّبويَّةِ، خاصةً فيما يتعلَّقُ بالمتونِ، فلا بد إذاً من الالتزامِ بالقَواعدِ والمناهِجِ الَّتي وضعَها العُلماءُ، معَ بيانِ أنَّهُ لا يُوجدُ ما يمَنعُ أيَّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ مِنَ الاستِشكالِ، والسُّؤالِ عَنْ أيِّ شيءٍ يتعلَّقُ بفهمِهِ للحديثِ؛ فهذا لا إشكالَ فيهِ طالما أنَّ مقصودَ السَّائلِ الزِّيادةُ في الفَهمِ وطلبًا للعِلمِ، معَ ضرُورةِ العِلمِ المسبقِ بأنَّ علمَ الحَديثِ علمٌ مُستقِلٌّ، شأنُهُ شأنُ كُلِّ العُلومِ الأخرى؛ له رجالُهُ وقواعِدُهُ وأصولُهُ، بَلْ إنَّه يتميَّزُ عَنْ غيرهِ مِنَ العُلومِ بخصائصَ كثيرةٍ؛ تجعلُ المسلمَ العاقلَ يتورَّعُ عنِ الخَوضِ فيمَا لا يُحسنُهُ، ولَعلَّ مِنْ أهمِّ تِلكَ الخصائصِ كونهُ وحيٌ مِنْ ربِّ العَالمينَ؛ فلا يَخوضُ فيه خائِضٌ إلا بالقَدرِ الَّذي يؤهِلُهُ لِذَلكَ، وبذِلكَ تُحفظُ أحادِيثُ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ تَحريفِ الجَاهِلينَ وانتِحالِ المبطِلينَ وتَأويلِ الغَالِينَ.

يرى الكاتب أن تحرير المصطلحات وفهمها له أثر بارز في تصحيح المنهج وعدم الوقوع في إشكالات في التطبيق، فبعض المصطلحاتِ تَحتاجُ إلى تأمُّلٍ ونَظرٍ وتحرير وتَصحيحٍ؛ وإزاحة ما ترسَّبَ عليها مِنَ تصوراتِ مغلوطة، ومِنْ تِلكَ المصطلحاتِ الَّتي تغيَّرَ المفهومُ تُجاهَهَا هي كلمةُ (النَّقدِ)؛ فإنَّ أوَّلَ ما يَتبادَرُ إلى ذِهنِ كلِّ سَامعٍ أو قَارئٍ لكلمةِ (نَقدٍ) هوَ الهَدْمُ لا البناءُ والإصلاحُ، معَ أنَّ الهدفَ الأسمَى مِنْ ممارسةِ النَّقدِ هو الوُصولُ إلى الصَّوابِ؛ مِنْ خِلالِ نفي العُيوبِ ومَا يشُوبُ أيَّ مَنقودٍ، معَ إظهارِ الصَّوابِ وإبرازِهِ.

ولمزيدٍ مِنَ التَّوضيحِ نقولُ: بأنَّنا لا نمارسُ النَّقدَ إلَّا وفي أذهانِنَا البَحثَ عَنِ العُيوبِ، ونادرًا ما نمارسُ النَّقدَ بقَصدِ تصحيحِ المعيوبِ؛ حتى أنَّنا اضطُررنَا لتقسيمِ النَّقدِ إلى نَقدٍ بنَّاءٍ ونقدٍ غيرِ بنَّاءٍ، وهذا التَّقسيمُ فرضتْهُ الحاجةُ؛ لوجودِ ممارساتٍ خاطئةٍ لعمليَّةِ النَّقدِ.

فمفهومُ النَّقدِ لا يقتصرُ عَلى الهدمِ وبيانِ العلَّةِ القَادحةِ فقطْ؛ كما أصبح متبادرًا للوَهلةِ الأولى، لكنَّ النَّقدَ إصلاحٌ وبِناءٌ وتمييزٌ للصَّحيحِ مِنَ الضَّعيفِ، والحقِّ مِنَ الباطلِ، فقدْ يكون النَّقدُ محاولةً لنفي عيبٍ، وليسَ لإظهَارِهِ، وهذا الكلامُ بطبيعةِ الحالِ لا يَنطبقُ على جَميعِ البَاحثينَ؛ فهناكَ نماذِجُ تمارسُ النَّقدَ بمفهومِهِ الصَّحيحِ.

وسنضربُ مثالًا على نقدٍ معاصرٍ لقضيةٍ ظلَّتْ زمنًا طويلًا مِزمارًا ينادِي بهِ أصحابُ الشُّبهاتِ، وأعداءُ السُّنةِ النبويَّةِ، ومَنْ تبعهَمْ ممَّنْ خفَّ عقلُهُ وعِلمُهُ؛ وهي قضيةُ (كثرةِ مروياتِ الصَّحابيِّ الجليلِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه).

فمِنَ التَّجاربِ المتميِّزَةِ في هذا المجالِ ما قامَ بِهِ د. محمَّدُ عبده يماني، بمساعدةِ د. محمَّدُ ضياء الدينِ الأعظميُّ، وبمشاركةِ بعضِ البَاحثينَ في بحثِ الشُّبْهَةِ المثارةِ حولَ كثرةِ مروياتِ الصَّحابيِّ الجليلِ أبي هُريرةَ – رضي الله عنه – مع تأخُّرِ إسلامِهِ؛ فنَقدَ المروياتِ ودرَسهَا وبحثها؛ فخرجَ بنتائجَ إيجابيَّةٍ.

يقولُ د. محمدُ عبده يماني: ولو حسبنَا عددَ أيَّامِ صُحبتِهِ للنَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – لوجدْنَا أنَّها تبلغُ أكثرَ مِنْ ألفٍ وأربعمائةٍ وسِتينَ يومًا، ولو قسمْنَا ما رَوْى عنهُ مِنَ الأحاديثِ الشَّريفةِ علَى هذهِ الأيَّامِ وجدْنَا أنَّهُ يَروِي كُلَّ يومٍ ما يقاربُ ثلاثةَ أحاديثَ ونصفًا، وفي كُلِّ مائةِ يومٍ (367) حديثًا، أو أنَّهُ كانَ يحفظُ مائةَ حديثٍ في كُلِّ سَبعةٍ وعشرينَ يومًا، فهَلْ يُستغربُ أنْ يحفظَ أبو هريرة – رضي الله عنه – كلَّ يومٍ أربعةَ أحاديثَ، مع ما رأينَا مِنْ قِصَّةِ الكِساءِ، وقِصَّةِ الدُّعاءِ، وما رأينا مِنْ حرصِهِ علَى العِلمِ، وحِرصهِ على حِفظِ الأحاديثِ الشَّريفةِ، ومَع ما رأينا مِنَ انقطاعهِ لخِدمةِ النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – وسماعِ أقوالهِ، وزهدهِ في الدُّنيا، وعَيشهِ معَ أهلِ الصُّفةِ، وصَبرهِ على الجُوعِ في سبيلِ ذلكَ([1]).

وعِندمَا قمتُ بنَفسِي بالتَّحقُّقِ مِنْ هذهِ المسألةِ بواسطةِ فريقٍ مختصٍّ في الحاسِبِ الآليِّ ظهرتْ لنَا حقائقُ مهمَّةٌ عَنْ رواياتِ أبي هريرة؛ فعندَمَا تتبَّعنَا رِواياتِهِ وجدْنَا أنَّ هناكَ ما يزيدُ عَنْ ثمانمائة – صحَابيٍّ وتابعيٍّ – روَوا عنهُ الحديثَ وكلُّهم ثقاتٌ، لكنَّ القضيَّةَ الأساسيَّةَ التي أفادتْنَا عندَ استخدامِ الحاسبِ الآليِّ؛ هي أنَّهُ عندمَا أدخلتُ هذهِ الأحاديثَ المرويَّةَ في كتبِ الحديثِ السِّتةِ وجدنَا أنَّ أحاديثَ أبي هريرةَ بلغتْ (5374)، ثمَّ وجدْنَا بعدَ الدِّراسةِ بواسطةِ الكُمبيوترِ أنَّ المكرَّرَ مَنهَا هو (4074)، وعلَى هذا يبقَى العددُ غيرُ المكرَّرِ (1300)، وهذا العددُ تتبعناهُ فوجدْنَا أنَّ العديدَ مِنَ الصَّحابةِ قدْ رَوَوا نفسَ هذِهِ الأحاديثِ مِنْ غيرِ طريقِ أبي هريرةَ؛ هذا مِنْ ناحيةٍ.

ومِنْ ناحيةٍ أخرَى: وبعد أنْ قُمنَا بحذفِ الأحاديثِ الَّتي رُوِيتْ مِنْ غيرِ طَريقِ أبي هريرةَ في كتبِ الصِّحاحِ السِّتةِ؛ وجدْنَا أنَّ ما انفردَ بهِ أبو هريرةَ ولم يروه أيُّ صحابيٍّ آخرَ هو أقلُّ مِنْ عشرةِ أحاديثَ.

ثمَّ شاءَ اللهُ أنْ نطوِّرَ العملَ في أحاديثِ أبي هريرةَ؛ فانتقلنَا مِنَ الكُتبِ السِّتةِ إلى الكتبِ التِّسعةِ؛ وقدْ لاحظْنَا أنَّ الأحاديثَ في الكتبِ التِّسعةِ المنسوبةَ إلى أبي هريرةَ هي (8960) حديثًا؛ منها (8510) بسندٍ متَّصلٍ، و(450) حديثًا بسندٍ منقطعٍ.

وبعدَ التَّدقيقِ: انتهينَا إلى أنَّ الأحاديثَ الَّتي روَاهَا أبو هريرةَ في كلِّ هذهِ الكتبِ التِّسعةِ – بعدَ حذفِ المكرَّرِ – هي (1475) حديثًا، وقدِ اشتركَ في روايتهَا معهُ عددٌ مِنَ الصَّحابةِ.

وعندمَا حَذَفتُ الأحاديثَ التي رُويتْ عَنْ طريقِ صَحابةٍ آخرينَ وصلنَا إلى حقيقةٍ مهمَّةٍ؛ وهي أنَّ ما أتى بهِ أبو هريرةَ معَ المكرَّراتِ في كتبِ الحديثِ التِّسعةِ هي (253) حديثًا، ثم إنَّ الأحاديثَ التي انفردَ بِهَا أبو هريرةَ بدونِ تَكرارٍ ولم يروها أحدٌ غيرُهُ في الكتبِ التِّسعةِ هي (42) حديثًا، وما زِلنَا نواصلُ البحثَ.

لكنَّ هذهِ الأمورَ وهذهِ الحقائقَ أزالتْ كلَّ تلكَ الشُّبَهِ والتُّهَمِ العَقيمةِ والمغرضةِ الَّتي كانتْ تُلصقُ بأبي هريرةَ، ويتهمونَهُ فيهَا بالإكثارِ، ويقولونَ عنهُ – رضي الله عنه – أنَّهُ روَى (8000) حديثٍ بمفردِهِ، وبعضهُمْ يقولُ: إنَّهُ روَى (5000) حديثٍ بمفردِهِ؛ هكذا دونَ رويَّةٍ أو تدقيقٍ أو تمحيصٍ([2]).

إذًا هذا باحثٌ متأخِّرٌ أتَى بما لم يأتِ بهِ الأوائلُ، ولَو سَلَّمَ هذا الباحثُ لِمَا هو مُسطَّرٌ في الدِّفاعِ عنْ أبي هريرةَ؛ لمَا وصلنَا لهذِهِ الحُجةِ الدَّامغةِ الَّتي برَّأتْ ساحةَ الصَّحابيِّ الجليلِ، وأزالتِ اللَّبسَ والإشكالَ، وأضافتْ دليلًا إلى تلكَ الأدلَّةِ الَّتي تنصِفُ صحابةَ رسُولِ الله – صلى الله عليه وسلم – فلِمَ لا نفتِّشُ في بعضِ الأحاديثِ بقصدِ البِناءِ، وليسَ الهَدمِ؟!

هذا التصور والفهم المغلوط في مفهوم النقد أحدث إشكالُ في التطبيقِ؛ فقدْ وُجدَ مِنْ بينِ مَنْ تصدرُوا للنَّقدِ الحديثيِّ مَنْ يبحثونَ عَنِ الإشكالاتِ فيزيدُوا على العُقدةِ عقدةً بدلًا مِنْ أنْ يلتمِسُوا البِناءَ للحديثِ؛ خصوصًا إذا ما صحَّ سندُهُ.

وإنَّ مِنْ أبرزِ الإشكالاتِ المتعلِّقةِ بالتَّطبيقِ:

1- عدمُ معرفةِ النَّاقدِ بمنهجِ العلماءِ في التَّعاملِ معَ الأحاديثِ الَّتي قدْ لا تتفقُ مع بعضِ مقاييسِ السَّلامةِ، أو رُبَّما يعلمُ تلكَ القواعدَ نظريًّا، ولكنًّه عمليًّا لا يطبِّقُ منهَا شيئًا؛ فهوَ ينقدُ الحديثَ بقصدِ الهدمِ؛ فيبدأُ بالغَوصِ في إشكالاتِهِ، والبحثِ عَنْ أيِّ دليلٍ؛ ليهدمَ بهِ هذا الحديثَ، بغضِّ النَّظرِ عنْ صِحَّةِ سندِهِ مِنْ عَدمِهَا؛ فهذا لا يعنيهِ مِنْ قريبٍ، ولا مِنْ بعيدٍ، أو غيرُ مُعتبِرٍ ما دامَ أنَّ في المتنِ عِلَّةً، حتى قالَ بعضُهمْ: «ولَوْ أنَّنا استحضرنَا توجيهاتِ القرآنِ ابتداءً ما احتجْنَا إلى مناقشةِ السَّندِ وتوهينِهِ؛ يكفِي أنْ يكونَ المعتمدُ مخالفًا للقرآنِ ليُردَّ أشدَّ الرَّدِّ»([3]).

وهمْ بصنيعهِمْ هذا تجاوَزُوا منهجَ العلماءِ في مثلِ هذهِ الحالةِ؛ حينمَا يكونُ السَّندُ صحيحًا؛ فإنَّهمْ يُأوِّلونَ أيَّ إشكالٍ في متنِ الحديثِ تأويلًا مقبولًا؛ فإنَّ ذلكَ أفضلُ مِنْ ردِّ الحديثِ؛ يقولُ ابنُ حَزْمٍ (456ه): «فإنْ تعارضَ فيما يَرى المرءُ آيتانِ، أوْ حديثانِ صحيحانِ، أو حديثٌ صحيحٌ وآيةٌ، فالواجبُ استعمالهُمَا جميعًا؛ لأنَّ طاعتَهُما سواءٌ في الوجوبِ؛ فلا يحِلُّ تركُ أحدهُما للآخرِ، ما دُمنَا نقدرُ على ذلكَ»([4]).

بلْ إنَّ نقَّادَ الحديثِ مِنْ حرصِهمْ وضبطهِمْ لعمليَّةِ النَّقدِ رُبَّما ضعفُوا جزءًا مِنَ الحديثِ، وأعلُّوا بعضَ ألفاظِهِ وصحَّحُوا بقيَّةَ متنِهِ؛ احترامًا لصحَّةِ إسنادِهِ، والأمثلة على ذلك كثيرة، فمِنها ما رواهُ الإمامُ مسلمٌ في صحيحِهِ([5]) قال: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ». فمَعَ التَّسليمِ بصحَّةِ الحديثِ إلَّا أنَّ جماعةً مِنَ الحُفَّاظِ أعلُّوا لفظةَ «فَلْيُرِقْهُ».

قالَ الإمامُ أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ: لا أعلمُ أحدًا تابعَ عليَّ بنَ مُسهِرٍ على قولِهِ: «فَلْيُرِقْهُ»([6]) كذلِكَ الإمامُ البخاريُّ لم يوردْهَا في صَحيحِهِ؛ معَ أنَّهُ أخرجَ أصلَ الحديثِ([7]). فمعَ أنَّ هؤلاءِ الحفَّاظَ وغيرَهُمْ أعلُّوا هذهِ اللَّفظةَ بالتَّفردِ إلَّا أنَّ أحدًا مِنهمْ لم يَرُدَّ الحديثِ، أو يَشكَّ في صحتِهِ؛ وهذا واللهِ قمَّةٌ في الإنصافِ والعدلِ؛ وهو المنهجُ السَّليمُ في التَّعامُلِ معَ الأحاديثِ الصَّحيحةِ بكُلِّ حِيطةٍ وتَروٍ وحَذرٍ.

2- ومِنَ الإشكالاتِ في عمليَّةِ نقدِ المتونِ أنَّ البَعضَ لا يُكلِّفُ نفسَهُ النَّظرَ في أقوالِ العُلماءِ فِيما أشكلَ عليهِ، ويعرفُ ذلكَ مِنْ تخبُّطِهِ وخَلطِهِ عندَ نَقدهِ للحديثِ المشكَلِ في نظرِهِ، والحقيقةُ أنَّ النَّظرَ في أقوالِ السَّلفِ مِنْ أهلِ العلمِ يزيلُ كثيرًا مِنَ الإشكالاتِ، ويصلُ بالباحثِ المنصِفِ للاطمئنانِ – في أغلبِ الأحوالِ -.

وليسَ الوقوفُ على أقوالِ أهلِ العلمِ منهجًا مُبتدعًا، بلْ هوَ منهجٌ رَبانيٌّ أمرَ اللهُ بهِ في كتابِهِ فقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. وأمر به رسوله – صلى الله عليه وسلم – حيثُ قالَ: «أَلَا سَأَلُوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟! فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ»([8]).

هذا والله أعلم


([1])يشير إلى ما أخرجه البخاري (2047) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ، وَالأَنْصَارِ لاَ يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: «إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ»، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ.
([2])أبو هريرة: أمانة الرواية وصدقها جريدة الشرق الأوسط الخميس 10 رمضان 1426هـ. – 13 أكتوبر 2005م العدد (9816).
([3])هذا ديننا لمحمد الغزالي (ص: 163).
([4])المحلى لابن حزم (1/ 72).
([5])أخرجه مسلم [89- (279)].  
([6])سنن النسائي «المجتبى» (1/ 53).
([7])أخرجه البخاري (172) من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه.
([8])أخرجه أبو داود (336) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.